أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

} يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي}

*****

 

52imag

هذه الثورة لم تكن ثورة بندقية فحسب بل كانت ثورة كلمة وبندقية. وفي هذه الثورة تحقق التلاحم الحقيقي بين الكلمة والبندقية... وقدّمنا من الكتّاب الفلسطينيين شهداء كثيرين على طريق مسيرة ثورتنا وما يزال كتّابنا الفلسطينيون وشعراؤنا العرب التقدّميون مصريّن على أن يتابعوا المسيرة أيّاً كانت التضحيات وأيّاً كانت التحديات. 

داوود محمود يعقوب

2 / 2 / 1939  *  * 17 / 10 /1986

 677dao

2 /2/ 1939 بدأت الرحلة في طيرة حيفا بفلسطين 17/10/1986 انتهت رحلة العمر في دمشق

 لتبقى ذكرى فارس يواصل الرَّحيل

 

داوود يعقوب... الصوت الفانتوم

الكلمة الرصاصة... بالدم نكتب لفلسطين

=*=*=*=*=*=*=*=*=*=*=*=

أيتها النفس إجملي جزعا              إن الذي تخشين قد وقع

(أوس بن حجر)

هذا ما كنت تردده بعد مرضك، ومع ذلك فما خشيت ما وقع...

لأنك كنت دائما تؤمن بأن الاشجار تموت واقفة...

أتراك تجذرت حتى أصبحت كزيتون فلسطين...؟

هكذا أنت 

=======================

الخميس,آب 28, 2008


كانت البداية مع الوحدة بين سُورية ومصر، أي في مطلع عام 1960، حين كان داوود يُلقي الشِّعر في نادٍ صغير، في دمشق، وفي ندوة أسبوعيَّة؛ حيثُ أخذه المرحوم الأُستاذ أكرم خلقي ليُمثِّل في الإذاعة، حياة الشَّهيد المرحوم عدنان المالكي.

عاد بعد ذلك لعمله المسرحي في المسرح القومي، حتَّى مُنتصف عام 1961؛ حيثُ ذهب لأداء خدمة العلم، أما البداية الحقيقيَّة، فكانت عام 1962 حين عُيِّن في إذاعة دمشق مُذيعاً ومُعاوناً لمُدير التَّوجيه السِّياسي فيها، ولم يكنْ داوود في الإذاعة والتلفزيون السُّوري، الفلسطيني الوحيد، فقد زامله فيها توءمه الإذاعي الكبير مُحَمَّد صالحيَّة، والشَّاعر الفلسطيني الرَّاحل الكبير كمال ناصر، والشَّاعر الفلسطيني الكبير يُوسف الخطيب، والأُستاذ عبد الله الحوراني.

وكما كانت لداوود مواقفه ورُؤيته النَّقديَّة في المسرح، كانت له رُؤيته النَّقديَّة في العمل الإذاعي والتِّلفزيوني وبرمجتهما، هذه الرُّؤية المُنطلقة من طُمُوح واعٍ ومثقَّف، للارتقاء والتَّقدُّم بوعي الجُمهور، واشراكه بصُورة مُباشرة، وغير مُباشرة بالواقع المُحيط والمُعاش، إنْ كان ذلك داخليَّاً أم على المُستوى القومي، وخاصَّة فيما يختصُّ بالقضيَّة المركزيَّة للأُمَّة العربيَّة، قضيَّة فلسطين، بعيداً عن البراغماتيَّة والغوغائيَّة قصيرة النَّظر.

وفي مُقابلة معه أجراها الصَّحفي وجدي راتب يقول: الإذاعات نوعان، الإذاعات المُنتَجة محلِّيَّاً، والإذاعات الَّتي تتعامل مع القطَّاع الخاصِّ، فالإذاعات المُنتَجة محلَّيَّاً لم تعدْ تُعطي كما كانت من قبل، والمُعتقد أنَّ هذا مُرتبط بالجوِّ العامِّ الَّذي يسود العالم العربي، والَّذي انعكس على القطَّاعات الفنِّيَّة كُلَّها سواء أكانت سينما أم مسرحاً أو تلفزيوناً، والسَّبب هو حالة القلق، وعدم وُضُوح الرُّؤية المُستقبليَّة للفنَّان كاتباً ومُخرجاً، ومُمثِّلاً، بينما كانت الإذاعات المُتعاملة مع القطَّاع الخاصِّ تعرف ما تُريد، وتتلقَّى ما تشاء من الأفكار، ثُمَّ تشتريها، وأعتقد أنَّها أيضاً تُفكِّر في تسلية المُستمع، وملء أوقات فراغه، أكثر ممَّا تُفكِّر في تثقيفه وتعليمه، هذا كُلُّه بالضَّرورة سيقودنا إلى تقديم أعمال لا تَمُتُّ إلى الواقع بصلة، وإنَّما يلعب الخيال فيها دوراً كبيراً، ولا حلَّ لمُشكلة الإذاعة إلا بإيجاد حلٍّ عامٍّ للوضع الثَّقافي العربي، وأعتقد أنَّ مقصَّ الرَّقيب لا يرحم، وهو أوَّل العقبات في طريق التَّطوُّر وتجاوز هذا الوضع المُتردِّي، وعن استمرار دور الإذاعة يقول: لا أعتقد أنَّ دور الإذاعة قد انتهى، وعندما أقول ذلك يظلُّ بذهني الرِّيف العربي على اتِّساعه، والَّذي لم يصل إليه حتَّى الآن (آنذاك) بشكل كامل التِّلفزيون والسِّينما، والَّذي لايزال يتعامل مع (الترانستور) على محراثه فلابد من الأخذ بعين الاعتبار أنَّ الإذاعة تستطيع أنْ تواجه التِّلفزيون، إذا عرفت كيف تُطوِّر أساليبها لتُثير خيال المُستمع وتدفعه إلى التَّفكير، بدلاً من إغراقه بسُيُول من الأعمال الفارغة من أي مُحتوى.

في ظلِّ المشروع القومي النَّاصري العربي، المُجسَّد بالوحدة بين مصر وسُورية معاً، نَمَا وَعْي داوود يعقوب، وَوَعْي أبناء جيله من الشَّباب الفلسطيني والعربي، وككُلِّ أبناء شعبه في أماكن شتاتهم ولُجُوئهم، ومَنْ تبقَّى من أبناء هذا الشَّعب تحت الاحتلال، على الأرض الفلسطينيَّة المُغتصبة، ظلَّ التَّعلُّق ولو بخيط رفيع يُسهم بإنقاذهم من مُعاناتهم وشقائهم في مُخيَّمات البُؤس والشَّقاء.

يوم رحل الزَّعيم جمال عبد النَّاصر، أحس داوود بم أحسته الجماهير العربية بانكسار المشروع القومي العربي، وحجم الخسارة الَّتي أصابت الأُمَّة برحيل وغياب الزَّعامة النَّاصريَّة عن زعامة المشروع ـ الحُلم، وفعلاً تجسَّدت هذه الرُّؤية وبوقت قياسي بتفتُّت المشروع الحُلم، وابتعاد حُلم العودة والتَّحرير كثيراً، لاسيما أنَّ الثَّورة الفلسطينيَّة كانت تتعرَّض لمُؤامرة دُوليَّة لاحتوائها في مهدها، وضرب ما تحقَّق لها من التفاف شعبي فلسطيني وعربي.

وقد قال يوماً: هذه الثَّورة لم تكن ثورة بندقيَّة فحسب، بل كانت ثورة كلمة وبُندقيَّة، وفي هذه الثَّورة تحقَّق التَّلاحم الحقيقي بين الكلمة والبُندقيَّة، وقدَّمنا من الكتَّاب الفلسطينيين شهداء كثيرين على طريق مسيرة ثورتنا. ولايزال كُتَّابنا الفلسطينيُّون، وشُعراؤنا العرب التَّقدُّميُّون مُصرِّون على أنْ يُتابعوا المسيرة، أياً كانت التَّضحيَّات.

وداوود مُحقٌّ بذلك فقد سقط غسان كنفاني شهيداً، وكمال ناصر، وماجد أبو شرار، وعلي فودة، وخليل حاوي شاعر لُبنان الكبير الَّذي رفض عقله الاحتلال الصّهيوني لبيروت العاصمة العربيَّة، فأطلق النَّار على رأسه، كُلُّ هؤلاء وغيرهم سقطوا شهداء الكلمة والرَّصاصة، وعلى الطَّريق نفسه، الَّتي سلكها الشَّاعر الشَّهيد عبد الرَّحيم محمود، في المُواجهة مع البغي والاحتلال.

لم تكن رحلة داوود يعقوب مع الإذاعة والتِّلفزيون في سورية، رحلة مُذيع، وإنَّما كانت رحلة فنَّان وكاتب ومُمثِّل ومُخرج مبدع .

لم يذهب جُهد واجتهاد ومُواظبة داوود يعقوب سدىً، وإنَّما نال من التَّكريم ما يليق بمُذيع، وفنَّان شامل، ومثقَّف، فقد عُيِّن عام 1985 مُدرِّساً في المركز العربي للتَّدريب الإذاعي والتِّلفزيوني لمادتي تربية الصَّوت، وفنِّ الإلقاء، وهي صفة مُشتركة بينه وبين المُذيع الفلسطيني الكبير منير شمَّة، عندما كان كبير المُذيعين في إذاعة الـBBC. وكان من قبل المُنفِّذين بمُديريَّة الإذاعة السُّوريَّة، كما نال الإذاعي والفنَّان داوود يعقوب، ميدالية نقابة الفنَّانين الذَّهبيَّة، مع براءة التَّقدير، وذلك تقديراً لما قدَّم من جُهُود في أعماله الفنِّيَّة الإذاعيَّة. وتستمر رحلة داود ولكنْ؛ هذه المرَّة تدخل بمرحلة جديدة ومُختلفة، رحلة مع المرض.



لا يوجد تعليق

 لأنك المنارة ... والميناء

لأنك الأب والمُعلِّم والصديق الذي لم يغادر

                                     إلى روح داوود يعقوب

                                       العائلة

 

إن من حق داوود علينا، في ذكراه، أن نقف إجلالا و احتراما...

و لعله من حقنا أيضا أن نحزن لأنه غادرنا في وقت نحن بأمس الحاجة لأمثاله...(نهاد قلعي)