الاعلامي الفلسطيني داوود يعقوب: رحلة العودة وحلم الخروج… طُمُوح مُتابعة الدِّراسة:
كتبهاالمحررون: يزن، أوس، محمود وفؤاد ، في 28 أغسطس 2008 الساعة: 23:08 م
أسباب عديدة واجهت أبناء اللاَّجئين في المُخيَّمات، وحالت في البداية دُون مُواصلتهم الدِّراسة، وفي مُقدِّمة هذه الأسباب: الرِّهان المُستمرُّ على العودة السَّريعة إلى فلسطين، وثانيها الفوضى الَّتي عاش فيها اللاَّجئون في البداية؛ حيثُ افترش السَّواد الأعظم منهم الأرض في العراء، إلى أنْ نصبت لهُم وكالة غوث اللاَّجئين الخيام، وقدَّمت ما يسدُّ رمق الجُوع من المُساعدات العينيَّة، ونهاية بضيق ذات اليد… والفقر المُدقع غالباً، ما حال دُون إرجاع الأطفال في حياة دراسيَّة. إلاَّ أنَّ ظُرُوفه الجديدة، لم تقتل في نفسه حُبَّ العلم والمعرفة، فحنَّت نفسه إلى الكتاب، لذلك نراه في سنِّ الرَّابعة عشرة من عُمره يستطيع الحُصُول على شهادة الدِّراسة الابتدائيَّة بجُهد شخصيٍّ ـ دراسة حُرَّة ـ إلى أنْ حلَّت كارثة جديدة لم تكن في حُسبان الصَّبي داوود، ولا في حُسبان أُسرته عُمُوماً، فهي ليست من فعل البشر، وإنَّما القدر الَّذي خطف من هذه الأُسرة ربَّة البيت والأُمُّ، والمُعلِّمة، والصَّدر الحنون، فقد رحلت أمُّ داوود الَّتي كانت أنجبت الشَّقيق الرَّابع لداوود، وهُو الأصغر بين إخوته، (مُحَمَّد) الَّذي
لم يكن قد تجاوز السَّنة الثَّانية من عُمره، وبذا تضخَّمت الصِّعاب والأعباء، ولم يكن بالإمكان مُجابهة هذه الظُّرُوف إلا بترك داوود الابن الأكبر بين الأولاد لمقاعد الدِّراسة، والتَّوجُّه للعمل، لمُساعدة ومُساندة أُسرته، ولو على حساب العلم.
وقد زاول داوود العمل في مهن مُتنوِّعة، رغم ذلك كان دائم البحث عن عمل ثابت ، يُؤمِّن له الدَّخل الَّذي يُساعد أُسرته على أعباء الحياة. لم يكن داوود يخجل من عمله أيَّاً كان هذا العمل، بل العكس، فقد كان يفتخر بأنَّه يعمل.. لأن شعاره كان ( العمل ليس عيباً) المهم أن يكون عملاً شريفاً، وله مردود يرفع شيئاً من ضيم الفقر عن الأُسرة. داوود ذاك الشَّاب اليافع… الَّذي يعمل، وفي ظُرُوف تُثقل كاهل مَنْ هُو أقوى منه… لم تفت هذه الظُّرُوف من عضده، أو تدفعه إلى اليأس والاستسلام، بل العكس من ذلك، لأنَه كان في استراحته يوم عمله، أو حين ينتهي عمله ويعود مُتعباً بعد يوم حافل بالجُهد، يحمل الكتاب، فالكتاب كان رفيق رحلته ووحدته وعمله، طالما كان يُمنِّي النَّفس دائماً بالعودة إلى مقاعد الدِّراسة، إلى أنْ هيَّأت وكالة الغوث البُنية التَّحتيَّة والأساسيَّة، لإنشاء المدارس لأبناء اللاَّجئين، ومثل كُلِّ أقرانه،نراه يعود إلى المدرسة طالباً نظاميَّاً في إعدادية صفد بدمشق، فيحصل على شهادة الدِّراسة الإعداديَّة.
وظلَّ داوود يتطلَّع إلى التَّحصيل العلمي لنيل الشَّهادة الثَّانويَّة، ثُمَّ الجامعيَّة بعدها، ولكنْ؛ بين التَّطلُّع والحلم، وبين الواقع القاسي والمرير لظُرُوفه، وظُرُوف أُسرته بون شاسع، ظُرُوف لم يتمكَّن من قهرها مَنْ هُو أقوى منه، فقد عاد داوود ليُزاول العمل، بل أعمالاً عديدة ومُتنوِّعة وغير مُستقرَّة، إلى أنْ بدأ يأخذ مكانه في الفن والإعلام.
لم يكن لهذه الظُّرُوف مُجتمعة أي أثر في فتِّ عزيمته بالتَّعلُّم ـ ولو ذاتيَّاً ـ فهُو كان قارئاً نهماً ومُواظباً، ويملك إرادة فُولاذيَّة على تثقيف نفسه بنفسه، وتطوير لُغته حتَّى أصبح مُمسكاً ناصية اللُّغة وقواعدها، ومُتابعاً أوَّل بأوَّل لكُلِّ الإنتاج الأدبي، فلسطينيَّاً و عربيَّاً ومُترجماً في تلك المرحلة.
و بعد زواجه من السَّيِّدة نهلة غبن ـ وهي من أقربائه ـ حاول بكل استطاعته إسعاد أسرته وأن يوفر لها ما لم يستطع الحصول عليه في صغره.
ظلَّ داوود يعقوب الشَّاب رغم كُلِّ العذابات، وحرارة اللُّجوء يُيَمِّمُ وجهه نحو فلسطين الَّتي غادرها صبيَّاً صغيراً، فقد فعلت سياسته بتثقيف نفسه فعلها وعياً، وإصراراً على حقِّ العودة إلى الوطن، الَّذي يرزح تحت نير الاحتلال، و رغم أنَّ المرحلة آنذاك كانت حُبلى بالأحداث، وتشهد حالة من النُّهُوض والتَّمرُّد على الأنظمة الإقطاعيَّة الرَّجعيَّة، الَّتي تسبَّبت بضياع فلسطين، ورغم أنَّ مطلع الخمسينيات شهد بداية نُشُوء الأحزاب والحركات الوطنيَّة، مثل حركة القوميِّيْن العرب، وحزب البعث، إلى جانب الأحزاب الشُّيُوعيَّة الموجودة أصلاً وغيرها، فقد كان لداوود رأي،
أنَّ الانتماء لفلسطين أكبر وأهمُّ.
وهذا ما دفع داوود الشَّاب إلى أنْ يُمارس دوره وقناعاته في فعاليَّات وطنيَّة مُتنوِّعة، كانت تُقيمها الأحزاب والحركات الوطنيَّة .
ففي العدد (51) الصَّادر أوَّل أيَّار (مايو) عام 1965، من نشرة فلسطين الدَّوريَّة، الَّتي تُصدرها الهيئة، وإحياءً لذكرى شهداء فلسطين، كان داوود يعقوب، الشَّاب، أحد خُطباء المهرجان إلى جانب العديد من الزُّعَماء والشَّخصيَّات السِّياسيَّة من فلسطين وسُورية أمثال القاضي فيصل العظمة، والمُعلِّم أحمد اللُّوباني، والمُجاهد صبري البديوي، والشَّاعر عبد الهادي كامل، والأُستاذ زياد الخطيب مُمثِّل الهيئة في سُورية.
وفي كلمته آنذاك ـ والَّتي ارتجلها ـ كان الشَّاب داوود يعقوب يتدفَّق حماساً تعبيراً عن أبناء جيله من الشَّباب؛ حيثُ قال: لو أنَّ الله سُبحانه وتعالى جعل هذه القُوَّة الَّتي بألسنتنا، في سواعدنا، لكُنَّا الآن في الوطن المُغتصب أعزَّة كراماً، ولكُنَّا أقمنا هذا الاحتفال في القسطل.
وهو ما كان داوود يعقوب يتطلَّع إليه في إقامة هذا الاحتفال في القسطل بالذَّات؟
كان من الطَّبيعي أنَّ مثل هذه الانطلاقة للشَّاب داوود يعقوب، حدَّدت شكل مسيرته وانطلاقته اللاَّحقة؛ حيثُ تستمرُّ الرِّحلة، ويكبُر الحلم والأمل لتحقيق الأهداف الوطنية الثابتة والتاريخية لشعب فلسطين، شعب داوود يعقوب، دونما التفاف إلى عثرات الماضي ومرارته وصعابه، وما حمل من مآسٍٍ، وهذا ما جعل الرِّحلة المُستمرَّة لاحقاً من حياة الرَّاحل حافلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رحلة العودة وحلم الخروج | السمات:رحلة العودة وحلم الخروج
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج







































