
الدكتور الراحل محمود موعد
أبا يزن:
مضى زمن لم نلتقِ، ولم ندفء بجلستك الأنيسة.. تأخرنا عليك، أم تأخرت علينا؟ هل تعتب علينا أم نعتب عليكَ؟ هل شغلتنا عنك أمور الحياة اليومية اللاهثة، أم شغلكَ عنَّا ما انكشف لك عنه الغطاء؟
كيف حالك من بعدنا؟ بل كيف حالنا من بعدك؟ أَتغيرتْ بك الحال في دنياك الجديدة،
أم تغيَّر بنا شيء في دنيانا القديمة التي تعرفها؟
لم يكن الأمل ـ يا أبا يزن ـ أن نصبح من عالمين لا يصلهما إلا الظُّنون. لم يكن العهد بيننا أن تمضي ونبقى.. أن تصمت ونتابع نحن الحوار.. هل خنتنا، أم نحن الذين خنَّا؟ هل تعبت بك الطريق فترجلت ترتاح من طول السفر، وعناء الدروب؟
لا حساب ولا دموع يا أبا يزن..
ولكنه الشَّوق، كم يلج بصاحبه ممرات الدُّموع والتَّنهدات والآهات الطويلة. نحن نبكي أنفسنا.. نبكي جيلنا الذي فديته أنت بموتك القادم قبل الأوان..
وتعود بنا الذِّكرى يا صديقي.. أجل صِرنا لا نطالك إلا عبر الذكريات.. تبحر بنا الذِّكرى إلى لقاءاتنا الأولى.. مضى زمن.. مضى تاريخ.. ثلاثون عاماً أو يزيد.. على أبواب مخيم اليرموك التقينا.. بيوته كانت تعدُّ أيامها على أصابع اليدين.. أيام تقاسمنا الفقر والبؤس والبرد والطِّين، وحليب الإعاشة، ومدارس الوكالة، والآمال الصَّعبة، والأحلام التي لا تُطال. كنا نبحث عن شيء ما فقدناه.. نبحث عن فلسطين، عبر قرانا الصَّغيرة، عبر حقول البرقوق.. عبر الألوان والرَّوائح والطعوم.. وكانت فلسطين لاتزال قريبة إلينا غضة طازجة.. فلسطين التي انتُزعنا عن صدرها قبل أن نرتوي بحليبها.
كنا نبحث بطريقتنا الطُّفولية.. بأجسادنا الغضَّة.. وأحاسيسنا العارمة لأن عقولنا لم تكن قد نضجت بعد.. على أبواب المخيم.. كرة القدم.. البيادر.. السِّباحة.. صيد الطِّيور.. السَّطو على البساتين.. النَّوم في العراء على أكوام القش، وعلى الشِّفاه كانت القلوب تردد : بلاد العرب أوطاني، وموطني موطني، وحُماة الدِّيار عليكم سلام.. وتقشعر منا الأبدان انفعالاً، وتمتزج العزَّة بالدُّموع. ويشرق في الخيال مستقبل ما لا نراه، ولكنَّنا واثقون بمقدمه يوماً ما..
وتفرَّقت بنا الدُّروب، كلٌّ في سبيل، وأصبحت طريقنا لا تجمعنا إلا لماماً، وكان كلُّ منَّا يبحث عن فلسطين بطريقته، فنحن جيل لا يمكن أن يكون له هدف سوى البحث عن فلسطين في نبض العروبة، العروبة في جرح فلسطين الدامي.. ودخلت أنتَ ـ يا داوود ـ مبكراً في عالم الفن.. بل وأشرقت في ميدان المسرح والإذاعة والكلمة. كانت دهشتي عظيمة. وفرحتي لا توصف حين سمعت اسمك يتردَّد في العيون وال
المزيد