الشاعر أحمد دحبور : أبكى الأمة مرتين… وأبكاني ثلاثاً..
الشاعر خالد أبو خالد : محمول في قلوبنا على عربة مدفع ..
الروائي يحيى يخلف : لنفكِّر بأشجار الزيتون..
الناقد الأدبي يوسف سامي اليوسف : أحقاً غاب وجهك..
بقلم : أوس داوود يعقوب
( إذا كان هناك (فنَّان شامل) يُمثِّل ويُغنّي ويرقص، وربما يكتب ويُخرج، فهناك أيضا (الإذاعي الشَّامل) وهذا ما تقوله سيرة داوود يعقوب؛ زميلنا الذي فارقنا مؤخراً، عن حياة قصيرة لامعة مضيئة كالشِّهاب..
لقد عرفت الإذاعة، وعرف المستمعون داوود يعقوب سيداً للمنبر، سواء أكان ذلك في استوديو الأخبار والتعليق السياسي المغلق، أم في الميادين المفتوحة للنَّقل الإذاعي الخارجي، خصوصاً في أيام الوطن المشهودة، أي أعيادنا القومية.. ولكنَّ طموح داوود كان أكبر وأكبر، وهكذا حقَّق شخصية (الإذاعي الشَّامل) دون أن يهدف طبعاً إلى صكِّ مثل هذا التعبير..)
الإعلامي الفلسطيني فايز قنديل
في ساعات الصَّباح الأولى من يوم الجمعة 17/10/1986 ودّعنا الأديب والفنَّان والإذاعي الشَّامل داوود يعقوب، ورحل بعد مسيرة عمر امتدت 47 عاماً قضاها في العمل والمثابرة. وقد ظلَّ رغم كُلِّ العذابات، وحرارة اللُّجوء يُيَمِّمُ وجهه نحو فلسطين الَّتي غادرها صبيَّاً صغيراً.
وقد كان الفقيد في كل مجالٍ عملَّ فيه لمسة لا تُمحى ، وكانت رحلة العمر والعطاء حافلة بالانجازات ، فقد كان واحداً من الرَّعيل الأول الَّذين احترفوا العمل الإذاعي في وقت باكر في الساحة الفلسطينية وفي القطر العربي السوري ، وكان من مؤسِّسي المسرح القومي السُّوري ، وواحداً من المبادرين للمشاركة في تأسيس الاتَّحاد العام للكتَّاب والصَّحفيين الفلسطينيين.. من موقعه المؤثِّر في قاعدة شعبنا العربي الفلسطيني ، كما ساهم في تأسيس المسرح الوطني الفلسطيني، ورَئِس أول رحلة قام بها المسرح الوطني الفلسطيني خارج ساحة الصِّراع المباشر، ولعب كذلك دوراً بارزاً في تأسيس اتحاد الفنَّانين الفلسطينيين ، وانتُخب كأول أمين عام له عام 1970.
وفي أيلول (سبتمبر) 1970 شكَّل داوود يعقوب مع رفاقه خلف الميكرفون في إذاعة فلسطين ، من دمشق ، ما يشبه مجلس أركان ، كان له دور هائل في شدِّ معنويات المقاتلين في وجه المجزرة.. وفي التعبئة لمساندتهم في اجتياز المحنة..
ولم تكن موهبة داوود يعقوب، وثقافته الأدبية والفنِّيَّة عُمُوماً، والمسرحيَّة خُصُوصاً، محدودة عند كونه مُمثِّلاً يتقمَّص الشَّخصيَّة ويُجسِّدها في العرض على الخشبة، للمُتلقِّي، على أساس الالتزام بالنَّصِّ المكتوب، كما يُحدِّده الكاتب، أو ما يُمليه المُخرج، كما هو مُعتاد في الأعمال المسرحيَّة والفنِّيَّة، وإنَّما كان لداوود يعقوب باعٌ في التَّأليف والكتابة المسرحيَّة، خاصَّة مسرحيَّات المُمثِّل الواحد، فقد كان بذلك فنَّاناً شاملاً، مُتعدِّد المواهب وواسع الثَّقافة.
كما تنوَّعت رحلته الإذاعية والفنية ، بين التَّمثيل والكتابة والإخراج، في مجال الإذاعة والتِّلفزيون، وكان ذا صَّوت جهوري مُتميِّز ، وصفه الكاتب السُّوري الكبير زكريا تامر، بـ (الصَّوت الفانتوم) ، ذاك الصَّوت العريض المحمول على لُغة سليمة مُتدفِّقة، وإيقاعات تتموَّج بين رقة الوردة وهدير الشَّلال وقد أُطلقَ عليه في الوطن العربي (المُذيع الَّذي لا يُخطئ أبداً في اللُّغة)، حيث تميُّز في مجال الإلقاء والحرص على سلامة اللُّغة، وكانت شخصيَّة الأديب فيه تُغطِّي على شخصيَّة الفنَّان .
وفي بداية عام 1984 بدأت رحلة المرض مع الفقيد، ولكنه لم يستسلم، بل كان أقوى من الظروف، لقد كان يعمل كعادته خلال فترة مرضه، ويذهب كل أسبوع ليسجل برنامجه الإذاعي (حروف ومعان).
وللفقيد داوود يعقوب حضوره في الذَّاكرة.. هذا الحضور الذي يوازي حضوره يوم كان بيننا.. وسيظلُّ اسمه محفوظاً في سجلات الشرف، مثلما ستظلُّ آثاره المكتوبة والمسموعة من الذكريات التي لن ينال منها النسيان.
واليوم ونحن نحيِّ الذكرى الرابعة والعشرين لرحيله ، نتعرف على صفحات من رحلة العمر والعطاء بقلم ثلة من أصدقاءه و رفاق دربه ..
- الشاعر أحمد دحبور :
أهو شكل من العبث، أم تعذيب للنَّفس، أن أتعامل معه بوصفه غائباً غياباً أبدياً؟ وأن يكون ما أكتبه له ـ بالتالي ـ نوعاً من الرِّثاء؟ فقد كان أبو يزن صالحاً لأن يكون محوراً في موضوعات شتى: المسرح، الموسيقا، السياسة، الشعر، والإذاعة بطبيعة الحال… ولم يخطر لي لحظة واحدة أنه صالح لموضوع الرثاء…
هذه القامة السمراء، والصَّوت الجوهري العريض، المحمول على لغة سليمة متدفِّقة، وإيقاعات تتموَّج بين براءة الوردة وزأرة الشلال، هذا المبادر السبَّاق، هذا ال… داوود يعقوب، كيف فعلها بأصدقائه ومعارفه ومحبيه، فغافلهم ومضى؟…
ولم لا؟ ألم يفعلها قبله محمد صالحية؟ وكانا ـ بالنسبة إلينا، نحن الفلسطينيين في سورية ـ توءمين، وزهرتين لنسغ واحد؟ فهل كان رحيلهما بالتالي شكلاً من أشكال الاحتجاج على ما يحدث للفلسطينيين في هذا العصر؟
عام 1964، وكان لي من العمر ثمانية عشر عاماً، التقيت أبا يزن لأول مرة.. كنت فرحاً كطفل فاجأه أبوه الفقير بهدية العيد، وأنا أحمل مجموعتي الشعرية البكر "الضواري وعيون الأطفال"، وكنت أبحث عن الشَّاعر كمال ناصر ـ رحمه الله ـ لأقدِّم له نسخة منها، فقيل لي: إنه في إذاعة دمشق..
وعلى باب الإذاعة، كنت أتلعثم بخطواتي وكلماتي، حين فاجأتنني الحراسات هناك بأن دخول الإذاعة ليس أمراً سهلاً، وإذا بشاب طويل، يضع يده على كتفي ويسألني:
ـ فلسطيني؟
ـ نعم فلسطيني..
وبكلمة منه، أدخل الإذاعة بصحبته.. وما أن يدخل مكتبه حتى يطلب لي القهوة، ويسألني مُداعباً ما إذا كنت "ابن" أحمد دحبور (صاحب المجموعة التي أحملها) وبعد أن أُقسم أمامه ـ بكل براءة ـ أنني أحمد دحبور شخصياً، يضحك، ويسكن من روعي، ويقدِّم لي نفسه:
ـ داوود يعقوب..
ولم يكن بحاجة إلى تعريف، فقد كان أشهر المذيعين في دمشق..
وقدَّمني إلى كمال ناصر، ويوسف الخطيب، وخليل خوري، ثم اصطحبني معه إلى البيت لنتناول الغداء.
حارة اليهود؟… كان للاسم رنين غريب ـ كما هو متوقع ـ فأنا أعيش مع أهلي في مدينة حمص التي ليس فيها يهودي واحد، ولما كان الإنسان عدو ما يجهل، فقد كان خيالي يتصوَّر اليهود، ككائنات عجيبة بأنوف مقوَّسة وعيون محرورة كالدم.. ومن أبي يزن تلقَّنت الدرس في هذ




































